شبح السلالم

 


      قل لي.. إن أخبرتك بوجود شبحٍ ما، يجوب السلالم كل مساء... أسيصيبك ذلك بالهلع؟ ستدرك  - في آخر لحظةٍ – أنني قد بلغت مبلغي من الابتذال والسخف بسؤالي هذا.  ستدلي بجوابك على الفور " بالطبع! " مع ضحكة مغموسة في وحل عميق من السخرية.

ولكنني سأقابلك لحظتها برفضٍ متذبذب، في إمكانية أن يعتاد المرء شبحاً ما، مهما بلغت غرابته.

     في الأعلى... من سلسلة السلالم الممتدة، الواصلة بين الطابق الأرضي وسطح المنزل، على السلَّم الرابع صعوداً، تستقر فردة حذاءٍ رياضي أبيض كبير، يتدلى من داخله طرف جورب أسود طويل.

أتذكر أنني قد قمت بقذفه مذعورة فجر أحد الأيام الماضية. كنت أبتغي سحق وزغٍ ضخمٍ اختار السير - في نزوة غامضة - على البلاط.

      توالت الأيام التي أقصد السطح فيها منذ ذلك الحين، جيئةً وذهاباً، ففي كل مرة أعود أدراجي ينتفض كامل جسدي، فأطلق صرخة مدوية لا تنال مسمع أحدهم، كما  سأفعل لو صادفت شبحاً حقيقياً - ذلك المقدار من الهلع المتزاحم مقابل فردة حذاء عادية ضالة عن قدم صاحبها - وعقب نشوةٍ لحظيّة من اللا وجود، أُسند يدي ببطء أسفل عنقي، أهَدهِد روحي المذعورة، ثم أكمل السير مترنحة الخطى للطابق السفلي. 

لم أملك غريزة زحزحة الأشياء عقب حدوثها.. مثلما فضلت الاستسلام لعادة الصعود للسطح ليلاً ونهاراً، تاركة فردة الحذاء تغوص ببطء في حالة استقرار سريالية، لتعيد تهيئة هيئتها الشبحية مرة أخرى وأعود أنا لهَدهدَةِ روحي.

      كنت في حالة إلحاح غريبة من الإصرار الحتمي، في أن أعتادَ شبحاً، مثلما يعتاد المرء صريرَ بابٍ مفتوح في ليلةٍ عاصفة. لتتحول رؤوس الذعرِ الكامن الملتصقة بي، إلى رذاذٍ باردٍ يستحمّ بهِ بدني، فيغمره الخوف عذوبةً وانتشاءً غيرَ معهود؛ فأتلذذ بطقوس الهلعِ التي أقيمها كل يوم.

      أصبحت رؤية ظلي أمراً يصعب حدوثه. حيث يغشاني  وابل من الخفّة كلما أردت الصعود أو النزول. وكم تبدو ساقيّ طويلتين، كخيالِ المآتة، ومسافة سفرٍ مضن تفصلني عن قدمي. بت لا أحس بطبيعة الأشياء، أو أن الأشياء بطبيعتها تخنقني.

    أحببت وجود الحذاء الرياضي ملقى على عتبة السلّم لأسبوع، وكم بدا محلّه ملائماً، بل في نزوة أحكم رغبتي في التحدث إليه! لم أعد أخاف منه، بل لم أعد اخاف من الأشياء، لم يكن ثمة أمر يقطع تواتر خطاي أثناء الصعود، بل قلّما ألقي ببصري لجرمٍ مختلف مثل حذاء كبير يحب الألاعيب.

    اعتدت هذه الخفة الطارئة يوماً بعد يوم، أصبحت خطواتي أقرب للوثب من كونها خطوات، وعلاوة عن كوني خفيفة بشكلٍ مغاير، كنت أزداد قتامةً يوماً بعد يوم، أمضغ الخيبة في داخلي مراراً، مثل مضخّة مثقلة تمضغ السائل نفسه كل يوم.

   يوماً تلو آخر، ليلة تتبع ليلة... وخواء يودع أمانته الجمّا للفراغِ العكرِ.

(عتبات متلاصقة) عتبة تتبع عتبة... دوي الباب الحديدي. 

(قنبلة موقوتة)

(الأفق... )

" كم سحابة لدينا اليوم؟ " أُفرِطُ أحد أسئلتي المكبوتة.

"ما الذي أرتديه؟ " أتساءل ببراءةٍ ثم أجيب: " لا أدري..."

نظرات فاحصة على هيئتي. نظراتٌ مضطربة: تقرحات محرجة تتوزع فوق الذراع خفية.

نظرات تحاشٍ. استدارة.

- دوي الباب الحديدي  -

عتبات متلاصقة... 

(هوّة ) 

     ما عاد جرم الحذاء يحرك ساكناً هنا، لا أنا، ولا الباب الحديدي أو الصدى المتجول في المكان. وسرعان ما خفّت نغمة الريق المنزلقة في جوفي شيئاً فشيئا... لأسير على وتيرة اعتيادٍ مربكةٍ طوال الوقت...

لأجد صباح أحد الأيام، أثراً فارغاً، لحذاءٍ رياضي، كان سهلاً عليّ الإحساس بوجوده، ولأقف متسائلةً أمام جرف خيالي سحيق...

 "من منا، كان... يخيف الآخر؟"


تعليقات