خمرة الجهالة

     العلم خديعة الجهلاء، مثلما يملي علي شعوري، فأفتأ عن عادة القراءة كل يوم، التي بالكاد أمكنني الركون إليها.. وأعود مرغمة إثر لذةٍ حتمية؛ وإن كنت شخصاً بسيط الحيلة والحال، فإن لدي هوسي الوقاد الذي أركن إليه في أي وقت، والذي بدورة ينفع أن يكون عزاء فعّالاً لجَلدة الروح النهمة ورهافة العقل البشري المحدود.


   إن أفضل ما في هذه الأمور، تحسس مدى روعة جمالية الهيئة والأسلوب، وإن كنت مرغمة على الاستلقاء أحياناً في حالة تدعو إلى الشفقة بعض الشيء، فإن هيئتي الشبحية الماثلة في لوحة فنية عتيقة الطراز - تحمل عنواناً أثيراً لطيف امرأةٍ تقرأ - لا تفتأ عن الحضور بشيءٍ من الرصانة والهدوء اللذين لا أؤمن بهما أحياناً.


  لا شيء يمنع النفس البشرية من الوصول إلى فكرةٍ ما. حتى وإن بدا للناس أنه مثال مثالي لصورة خيال مآتةٍ مائل، أو أن هالة موته البطيئة قد بدأت مرحلةً جديدة باهتة تؤثر في النفوس.. فإن بدا للمرء - من الوهلة الأولى - اهتراء حاله، فإن للفكرة وهج وقاد، يمكن أن يفضح أمر موته في لحظةٍ مقدّرةٍ لا يمكن للمرء مجاراتها؛ فيفطن الميت بدوره لخدعةٍ أليمةٍ كانت تدثره بفيض من الحنان والسطوة طوال أعوام.


  ومن جهة أخرى، يمكن تصديق حقيقة تلك الصورة الأخاذة - في ذهن شخص ظل جسده جاثماً زمناً طويلاً، مسمّراً في دور جثةٍ منسيّة ترقد على المسرح - لصورة شخص جالس، تغشاه السكينة، يستقر الكتاب - منفرجاً - بين يديه، كاشفاً عن علم غزير بين دفتيه، متوسطاً تفاصيل لوحةٍ تنشد إبراز جمالية طقسٍ مهيب، فاتنٍ وبائس.. فلن تلبث تلك التحفة أن تدوم طويلاً، بل لن يملك أحدهم القدرة على أن يحتمل حياة اللوحات، أو أن يطمح لشيء من هذه السكنية وقتاً قد يتجاوز نهارين طويلين بليلَتيهما. فلو تجرأ أحدهم على الإقدام بأكثر من ذلك، لفاح نتنه مستقطباً ألباب جيرانه الواشية، لتخلّد هيئته العفنة تخليداً مريعاً يمضغ الأنفاس.. أو كما أجد - في المقابل - أن تلك الفكرة مستساغة حد جلائها : استغاثة نملة هلوعة داخل وعاء ثقيل من السكر، تبدلت أمنياتها الخيالية في ومضة، فأصبحت غايتها الأولى أن تحاول الفكاك من سطوة حبٍّ عظيم أدناها من فجيعة الموت.


  لن أنشد غاية العلم طيلة حياتي أكثر من نشود غاية الإيمان واليقين، بل لن أنال منه إن حدث - وأفلتّ سطوتي - على ما تيسّر لي العيش والموت بهما هنيئة.. مستمسكة بكل ما أوتيت من وَضح اليقين بخمر جهالتي، ولأكن في تلك اللحظة عدوّة لنهم نملة محظوظة تتسلّق في غبطة وعاء سكرٍ عميق.


  كذلك، تمتّ تلك الصورة النمطية - للقارئ المعتكف - بعلاقة عصيّة لكائنٍ بسيط تمضغه الهواجس ليلاً ونهاراً. فبعد الاستيقاظ ظهراً أُجبرت على تمزيق لوحتي والسير كإنسان، بل كما لو لم أكن إنساناً، فإني قضيت رحابة يومي في رثاءٍ عبثي، أتمشى تاركة غاياتي التائهة ورائي. وأعلم أن ما أقررت به الآن إنما هو فعل أحمقٍ لم يدرك نصيبه الأسمى من العيش، لكنني أدركت - بالكاد - فداحة خلطي للأمور.. عندما التمع في ذهني بيت شعري أثناء مزاولة فرضٍ يومي، فأردت نسخه مجدداً داخل المذكِّرة، لأردع تهمة العلم والجهالة عني، على حد سواء، فبالجهالة يحصد العلم ولا علم يحصد دون جهالة. وحياة المرء أن يسير في اضطرابات أبدية ( فلا علم دون تعلّم، ولا تعلم دون دوافع ملحّة، ولا دوافع تحصل دون فراغ خلّفه طبع الجهالة فينا.. فيحصل المرء - من خلالها - على قوت يستمد منه لذائذ عيشه. 


 أدركت ألا طائل من الإسهاب في كل ذلك؛ فلجأت - قبل الوقوع في هوّة الجهل الحقيقي - أن أكتب موجز البيت قبل المغيب على عجل: 


واحفظ نصيبك في الجهالة إنما

جلّ الحياة نصيب من لّا يعرفُ


[ السادسة مساءً ]

تعليقات